
الثورة فى الإسلام (٢٢)
«فتنة الحميراء» نتيجة لاستخدام الفتوى فى التحريض السياسى
إذا طلبنا من أهل السنة تجسيد الفتنة الكبرى فى شخص سيقولون «عبدالله بن سبأ» ويصبون عليه اللعنات ولا ضير فى ذلك، لأنه بلا قداسة، وبلا وجود ملموس فى التاريخ والأرجح بلا وجود فى الحياة ذاتها، حيث يغلب القول بأنه شخصية مخترعة، وإذا طلبنا من الشيعة تجسيد الفتنة فى شخص فسيقولون «عائشة بنت أبى بكر» رضى الله عنها، فقد أصبحت محط غضبهم واتهاماتهم، حتى صارت سيرة أم المؤمنين ساحة تناقضات جعلتها فتنة بذاتها، حتى إن لقب «الحميراء» الذى روى أن الرسول عليه الصلاة والسلام ناداها به غير مرة، ومن ذلك «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء»، هذا اللقب نفسه تحول إلى وقود لتغذية الفتنة،
فقد فسره أهل السنة بأنه «تدليل» يطلق على المرأة البيضاء المشربة بالحمرة، فى حين فسره غلاة الشيعة بأنه «ذم» واستخدموه للنيل من مقام ومكانة عائشة، فقالوا إنه يعنى المرأة غير الطاهرة، حيث يعنى لقب «السويداء» عند العرب المرأة الممراض (كثيرة المرض)، ويعنى لقب «الحميراء» المرأة المحياض (كثيرة الحيض) ما يعنى عدم أهليتها للصلاة والصوم لوقت طويل!.
هذه المصادمات الجانبية حول السيدة عائشة لا تعنى الكثير فى حد ذاتها، لكن خطورتها تأتى من كونها مظاهر تؤكد استمرار الفتنة والشقاق بين شطرى العقيدة، وتحولت الزوجة الثالثة للرسول الكريم إلى مرتكز للصراع بين السنة الذين يدافعون عن «الحميراء» والشيعة باعتبارها المدانة عندهم بإشعال الحرب ضد الإمام على، وتحريض الناس ضده، والسعى لإسقاط بيعته، والخروج على رأس المسيرة العسكرية التى انتهت بمأساة «حرب الجمل»، لكن السؤال: هل يمكن أن يحدث ذلك فجأة؟،
وهل كانت السيدة عائشة تملك من المقومات السياسية والقيادية ما يؤهلها لإشعال هذه الثورة ضد الخليفة الشرعى؟،
وهل كان الهدف المعلن (القصاص من قتلة عثمان) هو السبب الحقيقى والوحيد للخروج على الخليفة؟، وهل يتسق خروجها مع تعليمات الرسول الكريم لأمهات المؤمنين بأن يقرن فى بيوتهن؟، وهل يتسق مع ما قيل عن غضبها من عثمان بن عفان وتحريضها عليه فى حياته؟، وهل قصدت عزله فقط، فلما قتلت ندمت، وأرادت التكفير عن تحريضها بالقصاص من قتلته؟،
وهل دفعها القصاص لتحريض آخر ضد الخليفة الجديد؟، أم أن هناك من استخدم شعبيتها الطاغية ومكانتها العالية لتدبير مؤامرة دنيوية للإطاحة بعلى بن أبى طالب من الخلافة؟، وما مصلحة عائشة فى ذلك؟، وهل نبحتها «كلاب الحواب» فأرادت الرجوع إلى مكة قبل أن تصل إلى البصرة؟، ولماذا لم ترجع؟، ومن أقنعها بذلك؟، وهل أقنعها بأول شهادة زور فى الإسلام كما يروى البعض؟، وهل كانت ابنة آل تيم تخطط فعلا لإعادة الخلافة إلى عشيرتها «التيمية» من خلال ابن عمها طلحة بن عبيد الله الصحابى المبشر بالجنة وأحد أصحاب الشورى الستة المرشحين للخلافة بعد عمر؟، وهل ندمت على إشعالها «حرب الجمل»؟، أم ندمت فقط على نتائجها التى انتهت بمقتل أهم شركائها..
الزبير زوج أختها، وطلحة ابن عمها؟، وهل ظلت ذكرى هذه الحرب شوكة تؤرق ضميرها حتى إنها عندما حضرها الموت طلبت ألا تدفن فى حجرتها إلى جوار زوجها الحبيب رسول الله، وقالت: احملونى إلى صويحباتى فى البقيع، ليتنى لم أولد، وكنت ورقة من هذه الشجرة.. ليتنى كنت نسيا منسيا»؟
الأسئلة كثيرة، والردود مموهة بألوان الفتنة التى شطرت أمة الإسلام منذ ذلك الحين وحتى زمن لا يعلمه إلا الله، ولهذا نسترجع قصة عائشة والسياسة، وهى قصة لم تبدأ فى حياة الرسول، فقد كانت صبية صغيرة لا يشغلها سوى دينها وحياتها الزوجية مع سيد الخلق، وعندما توفى عنها الرسول لم تكن قد بلغت العشرين من عمرها، ولما تولى الخلافة والدها الصديق استقلت عائشة بالفتوى، ولما مات أقامت صاحبة الإفتاء النوح والنحيب، فنهاها عمر بن الخطاب، ولما تولى الخلافة منعها هى وزوجات النبى من مغادرة المدينة حتى للحج والعمرة، تنفيذاً لتعليمات الرسول القرآنية،
ولما كانت سنته الأخيرة سمح لها بالحج مع عدد من زوجات الرسول، تحت رعاية عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، لكن هذا التضييق لا يعنى أن عمر انتقص من دور أو مكانة عائشة، بل ميزها بمخصصات مالية أعلى من بقية أمهات المؤمنين بألفى درهم، وثبتها فى الفتوى كما كانت فى عهد أبيها، ولما طعنه المجوسى أرسل لعائشة يطلب دفنه إلى جوار الرسول داخل حجرتها، ووافقت تقديرا له، فقد كانت تهابه لشدته فى الحق، وجاءت خلافة عثمان، وظل دور عائشة كما كان، واستمر استقلالها بالفتوى،
ولم تتيسر روايات كثيرة عن تغير علاقتها بالخليفة، وكانت فى العموم علاقة إيجابية حتى إن صاحبة الإفتاء لم تتدخل فى أزمة تعطيل عثمان لحد القصاص من عبيد الله بن عمر بعد اعترافه بقتل الهرمزان وسيدة أخرى بلا ذنب، ولما «أكثر الناس فى دم الهرمزان، صعد عثمان المنبر، فخطب قائلا: ألا إنى وليت دم الهرمزان وتركته لدم عمر. فقام المقداد بن عمرو، وقال: إن الهرمزان مولى لله ولرسوله، وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله، وقال علىّ لعثمان: «أرى أن تقتله» .
لكن عثمان رفض، وأخرجه إلى الكوفة، حيث أقطعه موضعا نسبت له «كويفة ابن عمر»، بل إن عائشة روت فى تلك الفترة أحاديث عن الرسول تعلى من أخلاق ومقام عثمان وأشهرها قول الرسول (صلى الله عليه وسلم):»..ألا أستحى من رجل، والله إن الملائكة تستحى منه». لكن كيف انقلبت العلاقة من الود إلى العداء والتحريض؟،